أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

145

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المنسوب للزمخشري ، ومن ذكر معه سبقهم إليه الفراء ، وأبو إسحاق ، فإنّهما أجازا أن يكونا مفعولين قدم ثانيهما على الأول ، وأجازا أن يكون « الْجِنَّ » بدلا من « الشّركاء » ، ومفسرا للشركاء ، هذا نص عبارتهم . وهذا معنى صحيح ، أعني كون البدل مفسرا ، فلا معنى لرد هذا القول ، وأيضا فقد رد هو على الزمخشري عند قوله تعالى : إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ « 1 » بأنه لا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ، قال : « ألا ترى إلى تجويز النحويين : « زيد مررت به أبي عبد اللّه » ، ولو قلت : زيد مررت بأبي عبد اللّه » لم يجز إلا على رأي الأخفش . « وقد سبق هذا في المائدة ، فقد قرر هو أنه لا يلزم حلول البدل محل المبدل منه ، فكيف يرد به هنا ؟ . الثالث : أن يكون « شُرَكاءَ » هو المفعول الأول ، و « الْجِنَّ » هو المفعول الثاني ، قاله الحوفي « 2 » ، وهذا لا يصح لما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ في الأصل ، والثاني خبر في الأصل ، وتقرر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة مبتدأ والنكرة خبرا من غير عكس إلا في ضرورة تقدم التنبيه على الوارد منها . الرابع : أن يكون « شُرَكاءَ الْجِنَّ » مفعولين على ما تقدم بيانه و « لِلَّهِ » متعلّق بمحذوف ، على أنه حال من « شُرَكاءَ » ، لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون صفة لها ، قاله أبو البقا . وهذا لا يصح ، لأنه يصير المعنى : جعلوهم شركاء في حال كونهم للّه ، أي : مملوكين . وهذه حال لازمة لا تنفك ، ولا يجوز أن يقال : إنّها غير منتقلة ، لأنها مؤكدة ، إذ لا تأكيد فيها هنا ، وأيضا فإنّ فيه تهيئة للعامل في معمول وقطعه عنه ، فإنّ « شُرَكاءَ » يطلب هذا الجار ليعمل فيه ، والمعنى منصب على ذلك . الخامس : أن يكون « الْجِنَّ » منصوبا بفعل مضمر جوابا لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل فقال - بعد قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ - : من جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : الجنّ ، أي : جعلوا الجنّ ، نقله الشيخ « 3 » عن شيخه أبي جعفر بن الزبير « 4 » وجعله أحسن مما تقدم ، قال : « ويؤيد ذلك قراءة أبي حيوة ، ويزيد بن قطيب : « الْجِنَّ » رفعا ، على تقدير : هم الجنّ ، جوابا لمن قال : جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : هم الجنّ ، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه ، والاستنقاص بمن جعلوه شريكا للّه تعالى » . وقال مكي : « وأجاز الكسائي رفع « الجن » على معنى : هم الجنّ . وكأنه لم يطلع على أن غيره قرأها كذلك . وقرأ شعيب بن أبي حمزة ، ويزيد بن قطيب ، وأبو حيوة ، في رواية عنهما أيضا « شُرَكاءَ الْجِنَّ » بخفض « الجن » . وقال الزمخشري : « وقرىء بالجر ، على الإضافة التي للتبيين ، والمعنى أشركوهم في عبادته ، لأنهم أطاعوهم ، كما يطاع اللّه . « قال الشيخ : « ولا يتضح معنى هذه القراءة ، إذ التقدير : وجعلوا شركاء الجنّ للّه » . قلت : معناها واضح بما فسّره الزمخشري في قوله : والمعنى : أشركوهم في عبادتهم إلى آخره ، ولذلك سماها إضافة تبيين ، أي : أنه بين الشركاء ، كأنه قيل : الشركاء المطيعين للجن . قوله : « وَخَلَقَهُمْ » الجمهور على « خَلَقَهُمْ » بفتح اللام فعلا ماضيا . وفي هذه الجملة احتمالان : أحدهما : أنها حالية ، و « قد » مضمرة عند قوم ، غير مضمرة عند آخرين . والثاني : أنها مستأنفة لا محل لها . والضمير في « خَلَقَهُمْ » فيه وجهان :

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 117 ) . ( 2 ) انظر سورة المائدة ، آية ( 107 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 193 ) . ( 4 ) هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي أبو جعفر محدث مؤرخ انتهت إليه الرياسة في العربية والرواية في الحديث والتفسير والأصول توفي سنة ( 708 ) ، انظر الأعلام ( 1 / 86 ) ، شذرات الذهب ( 6 / 16 ) .